Monday, February 5, 2018

طريقة د. عبدالله الدنان (سبيلنا إلى نهضة علمية وتعليمية راقية)

Leave a Comment
طريقة د. عبدالله الدنان (سبيلنا إلى نهضة علمية وتعليمية راقية) أ. أيمن بن أحمد ذوالغنى مقالات متعلقة تاريخ الإضافة: 9/5/2010 ميلادي - 25/5/1431 هجري زيارة: 43425 

الحمدُ لله الذي خلقَ الإنسانَ علَّّمه البيان، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أفصَح الناس لسانًا، وأبلغهم بيانًا، سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصَحبه أجمعين.
(اللهم إني أعوذُ بكَ من الزَّلل، ومن التسرُّع والخَطَل، ومن تَرْك مَخافَتِك، ومن العُجْبِ المُتلِف، ومن فُضولِ القول، ومن التكلُّف في العمَل)[1].

رائد تعليم الفصحى في سطور:
 ولد د. عبدالله الدنَّان في مدينة صفد بفلسطين سنة 1931م، وانتقل إلى سوريا سنة 1948م، وما يزال مقيمًا فيها.

 درس في جامعة دمشق وحصل منها على الإجازة في الأدب الإنكليزي عام 1956م، وأهلية التعليم الثانوي عام 1957م.

 حصل على الماجستير في التربية من جامعة لندن عام 1971م.
وعلى الدكتوراه في العلوم اللغوية التطبيقية من جامعة لندن أيضًا عام 1976م.

 عمل أستاذًا لمناهج وطرائق تدريس اللغة الإنكليزية في كلية التربية بجامعة الكويت من سنة 1977- 1990م.

 عمل أستاذًا للعلوم اللغوية بجامعة صنعاء من 1991-1992م.

 أشرف على البحوث اللغوية واللغة العربية لبرنامج "افتح يا سمسم" وألَّف له زُهاء ثلاثين أنشودة وقصيدة.

 نشر قرابةَ خمسين بحثًا وكتابًا في مجال تعليم اللغة الإنكليزية، وتعليم اللغة العربية للأطفال، واللغويات الحاسوبية. من أهمها: "نموذج تربوي متكامل لتعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال بالفطرة: النظرية، والتطبيق"، و"التيسير في قواعد اللغة العربية".

 نشر روايتين باللغة العربية: "يا ليلة دانة" وهي رواية كويتية، و"خبز وبارود" وهي رواية فلسطينية، وله قصائد شعرية منشورة.

 نشر اثنتي عشرة قصة للأطفال وهي المجموعة الأولى من سلسلة قصص للأطفال بعنوان: "الحيوانات تفكِّر".

 قام بتجربة علميَّة فريدة في عصرنا الحاضر وهي تعليم اللغة العربية الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة، بدأ تجربته على ابنه باسل من مواليد 1977م، فبدأ يحدِّثه بالفصحى منذ أن كان عمره ستة أشهر، وبقيت والدته تحدِّثه بالعامية، وعندما بلغ باسل الثالثة من عمره صار يتحدَّث مع والده بالفصحى محافظًا على الحركات الإعرابية من رفع ونصب وجر بالفطرة، دون أي خطأ، مع التواصل بالحديث مع والدته بالعامية، وحديثه مسجَّل على (شريط فيديو) وهو في هذه السن. وقد كرر د. الدنَّان التجربة على ابنته لونة من مواليد 1981م فنجحت أيضًا نجاحًا باهرًا، وصارت لونة تتكلَّم مع أبيها بالفصحى محافظةً على الحركات الإعرابية دون خطأ، وتتكلم مع أمها بالعامية، و هذا ما يُعرف عند اللغويين بالثنائية اللغوية.

 أسس في الكويت "دار الحضانة العربية" عام 1988م، ثم في سوريا "روضة الأزهار العربية" عام 1992م؛ لتعليم الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة.

 كتبت الصحف والمجلات في أقطار العالم العربي المختلفة عشرات الاستطلاعات والمقالات عن نظريته في تعليم الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة.
 هو الآن متفرِّغ لنشر نظريته في تعليم الفصحى للأطفال بالفطرة لتطوير إستراتيجية التربية في الوطن العربي؛ لإنشاء جيل عربي مبدع يحب القراءة والبحث العلمي.

 اشترك في معرض الباسل للإبداع والاختراعات السوري في ثلاث سنوات متتالية، وذلك بأخذ عدد من أطفال روضته إلى جناح خُصِّص لهم، لتتواصل معلماتهم معهم بالفصحى على مرأى ومسمع من زوار المعرض، وكان الأطفال يتحدثون الفصحى بطلاقة مع التشكيل دون خطأ. فحصل من المعرض على ثلاث ميداليات ذهبية في الأعوام 1997، 1998، 1999م.

 عام 1998م تلقى رسالة من الاتحاد العام النسائي السوري تفيد بأنه قد تبنى نظريته في تعليم الفصحى للأطفال بالفطرة وقرر تطبيقها في أكثر من 350 حضانة وروضة تابعة للاتحاد.

 عام 2001م زار المملكة العربية السعودية بدعوة من معالي وزير التربية حينها الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد الرشيد، ولقي القيادات التربوية بالوزارة بحضوره، وشرح لهم نظريته في تعليم اللغة العربية بالفطرة والممارسة ومنهج تطبيقها. وقد نالت نظريته وتطبيقاتها استحسانَ الجميع، بفضل الله تعالى.

 وتشرف بلقاء صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير سابقًا، والأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز نائب أمير المنطقة الشرقية، وكان من نتائج هذه اللقاءات البدء بتطبيق نظريته في المملكة العربية السعودية.

 حضر الكثير من الندوات والمؤتمرات الخاصة بتعليم اللغة العربية في دمشق والقاهرة والرياض وجُدَّة والدمام والشارقة، وقدم فيها بحوثًا تدعم نظريته التي نالت استحسانَ كل من حضر هذه المؤتمرات والندوات.

 دعي لإلقاء محاضرات عن نظريته في عدد كبير من المدارس والجامعات والنوادي والمكتبات في الأقطار العربية والأجنبية المختلفة.

 ظهر على شاشة عدد من القنوات التلفازية والفضائية، للحديث عن نظريته والتعريف بها.

 أعدَّت الباحثة الأمريكية جيل جينكنز (Jill Jenkins) رسالة ماجستير عن نظريته في تعليم الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة، سجَّلتها في جامعة بريغام يونغ (Brigham Young)، وقد أثبتت فيها الباحثة أن الأطفال الذين اكتسبوا الفصحى في روضة الأزهار العربية بدمشق ارتفع معدَّل علاماتهم باللغة العربية وسائر المقرَّرات عن معدَّل أقرانهم من الأطفال الذين تخرَّجوا في روضات تقليدية لا يُتواصَل مع الأطفال فيها بالفصحى، بمقدار يراوح بين (8) علامات و(19) علامة من المئة. وقد نالت الباحثة درجة الماجستير على رسالتها عام 2001م.

 بدأت نظريته في تعليم الفصحى بالفطرة والممارسة بالانتشار في البلدان العربية، وقد بلغ عدد المدارس التي تطبِّقها حتى الآن أكثر من مئة مدرسة، في سوريا، والسعودية، ولبنان، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والأردن، ومصر. وتبنَّتها حكومة سلطنة عُمان رسميًّا وبدأت تطبيقها في جميع مدارس مسقط، وستتابع تطبيقها في جميع المدن العُمانية.

تعلم العربية الفصحى ضرورة:
إن تعلم اللغة العربية وإتقانَ مهاراتها؛ قراءة وكتابة وحديثًا واستماعًا، يعدُّ ضرورةً ملحَّة لأبناء العرب، لأسباب كثيرة من أهمها، أنها:
 لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
 لغة التراث العربي والإسلامي على مدار أربعة عشر قرنًا.
 لغة التعليم والتعلُّم في المدارس وأكثر الجامعات على امتداد الوطن العربي.
 لغة الكتب والمجلات والصحف في الأقطار العربية جميعها.
 لغة نشرات الأخبار والمؤتمرات والمناظرات والخطابة، ولغة الكثير من البرامج في الإذاعات والتلفاز والشابكة (مواقع الإنترنت) في العالم العربي.

ومن ثَم لا مندوحة عنها من أجل النهوض بمستوى التعلم، وتحقيق التقدم الحضاري، والإبداع الفكري الذاتي، والتماسك الثقافي للأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

كيف تُكتسَب اللغة؟

نظرية ابن خلدون في اكتساب اللغة:
عدَّ ابن خلدون اللغة ملكة صناعية فقال في مقدمته: «اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب... والملكات لا تحصل إلاّ بتكرار الأفعال لأن الفعل يقع أولاً وتعود منه للذات صفة ثم يتكرر فتكون حالاً، ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة»[2].

ولم يكتف ابن خلدون بهذا بل راح يبيِّن سبل اكتساب هذه الملكة بعد أن فسدت الألسنة، حيث يقول: «اعلم أن ملكة اللسان المضريِّ لهذا العهد قد ذهبت وفسدت، إلا أن اللغات لما كانت ملكات كان تعلمها ممكنًا شأن سائر الملكات، ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن، والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم، وكلمات المولدين أيضًا في سائر فنونهم، وحتى يتنَزَّل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور مَنْزلة من نشأ بينهم ولُقِّن العبارة عن المقاصد منهم، ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم، وتأليف كلماتهم، وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخًا وقوة»[3].

نظرية تشومسكي في اكتساب اللغة:
وجاء علم اللسانيات ليؤيد ما ذهب إليه ابن خلدون في نظرية اكتساب اللغة، إذ يرى تشومسكي – أحد أقطاب علم اللسانيات – أن الطفل يولد ولديه مقدرة فطرية لتعلم اللغة، أو لديه ملكة تهيِّئه لهذا العلم، وهذه المقدرة تعدُّ الأداة لاكتساب اللغة وهي موجودة عمومًا لدى كل إنسان[4].

ويؤكد علم اللسانيات أن الأطفال يحاكون أو يقلدون ما يسمعونه من الكبار، ولذا تعد المحاكاة أحد الأساليب المهمة التي يستعملها الطفل عند اكتسابه اللغة، فقد أوضحت البحوث العلمية أن ترديد المسموع أسلوبٌ واضح ومميز في التعلم المبكر للغة وجانب مهم في الاكتساب المبكر لأصواتها[5].

إن محاكاة الطفل لما يسمعه تكون بادئ بدءٍ دون فهم أو تركيز على المعلومات المتعلقة بالمعاني التي تمثل البنية العميقة للغة، ويستمر الطفل بهذه المحاكاة السطحية في المراحل الأولى من الاكتساب اللغوي لعدم امتلاكه القدرة الضرورية لربط المعاني بالعبارات والألفاظ، ولكن الأطفال مع مرور الزمن وفهم مستوى المعاني في اللغة يبدؤون في تركيز الكثير من اهتمامهم على مستوى البنية العميقة للغة[6].

طريقة الدكتور عبدالله الدنَّان:
تعدُّ تجرِبة د. الدنَّان في نشر الفُصحى تجرِبَةً رائدة، بُنيَت على دراسةٍ علميَّة دقيقة، وعلى نظرةٍ متأمِّلة عميقَة، وهي حلٌّ علميٌّ ناجِعٌ لمشكلة الانحدار اللغَويِّ، والضَّعف المعرِفيِّ الذي صِرنا إليه، وردٌّ عمَليٌّ على أعداء هذه اللغَة الشريفة الذين يتَّهمونها بالعُسْر والجُمود، ويَدْعون إلى نَبْذها وإحلال العاميَّات مَحَلَّها!

وهي قبلَ ذلك الخُطوةُ الأُولى، بل أهمُّ الخُطوات وأخطَرُها في تنشئة جيلٍ مُبدعٍ، قادر على تولِّي مسؤولية التربية والتوجيه والبناء.

ولا يَخفى كثرةُ ما عُقِدَ من ندوات ومؤتمَرات لدراسة مشكلة الضَّعف اللغَوي، ووسائل النُّهوض بالفُصحى، ولقد صدرَ في ذلك ما لا يُحْصى من القَرارات والتوصِيات، ولكنَّ كلَّ ذلك لم يَعْدُ أن يكونَ حُلولاً انطباعيَّة، وتوصياتٍ نظريَّة، ومن هنا تميَّزت فكرةُ أستاذنا الدنَّان؛ لأنها فكرةٌ عمليَّة تطبيقيَّة، أُصِّلَت علميًّا، وطُبِّقَت عَمَليًّا، ونجحَت نجاحًا رائعًا بفضل الله تعالى، وأثمرَت ثمارًا ناضِجَةً طيِّبَة.

التماع الفكرة:
في أثناء تحضير د.الدنَّان لبحث الدكتوراه في العُلوم اللغويَّة التطبيقيَّة بجامعة لندن تعمَّق في دراسة ما كشَفَه العُلَماء واللغَويُّون النفسيُّون (تشومسكي 1959م)، و(إرفن 1964م)، و(لينبرغ 1967م) من زُهاء نصف قرن في طَريقة تحصيل اللغات، فقد ذهَبوا إلى أن اللغةَ تُحَصَّل بطَريقتَين:
1- طريقةُ الاكتساب الفِطْري: يولدُ الطفلُ وفي دماغه قُدرَةٌ هائلةٌ على اكتساب اللُّغات، من الولادَة وحتى السنة السادسة من عُمره، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ﴾ [الرحمن: 3-4]. يولدُ الطفلُ وفي دماغه منطقَةٌ خاصَّةٌ باللُّغَة، تتلقَّى هذه المنطقَةُ عبرَ الأُذُن الذَّبذَبات الصوتيَّة (أصوات، كلام..) وتبدأ بتنظيمها (أرشَفتها)، واكتشاف دَلالاتها، واكتشاف الرَّوابط فيما بينها. ويسمي العلماء جزء الدماغ المسؤول عن هذه العملية:

جهاز اكتشاف اللغة (LAD Language Acquidition Device)، وإن هذه القُدرَة هي التي تُمكِّن الطفلَ من كشف القَواعد اللغويَّة كشفًا ذاتيًّا، ثم تمكِّنه من مُحاكاتها وإنتاجها، وهو ما يُثمر في المستقبَل إتقانَ هذه اللغة (أيًّا كانت).

وهذه القُدرَة تُمكِّنُه من إتقان ثَلاث لغاتٍ إلى خَمس لغاتٍ في آن معًا.

وتبدأُ هذه القُدرَة بالتَّراجُع والضُّمور في سنِّ السادسة، وتبدأُ برمجةُ الدِّماغ تتغيَّر بيولوجيًّا من تعلُّم اللغات إلى تعلُّم المعرفَة.

ويرى د.الدنَّان من تجارِبه أن هذه القُدرَةَ يمكنُ تنشيطُها في المرحلة الابتدائيَّة الأُولى من (6- 9) سنوات، بممارسة التحدُّث مع الطفل باللغة الهَدَف، ليكتشفَ قواعدَها، ويتقنَ إنتاجَها، بلا دراسَةٍ لقواعدها بالطَّرائق التقليديَّة.

2- الطَّريقةُ المعرفيَّة: (من بعد السادسة) تكون بالتعلُّم وحفظ القواعد وأمثلتها حِفظًا وَصْفيًّا، لا اكتِسابًا سَليقيًّا، وذلك بالترجَمة إلى اللغَة الأُولى الأم.

مزايا الطريقة الفطرية:
وإذا قارنَّا بين الطريقتين نلاحظ ما يأتي:
 الطريقة الأولى الفطرية تسمَّى اللغةُ المكتسبةُ بها: (اللغة الأم)، في حين اللغة المحصَّلة بعد سنِّ السادسة لا يمكن أن توصفَ بهذه الصفة.

 الطريقة الأولى تُكتسَب اللغة بها دون تعب ولا نصب، في حين لا تحصَّل بالطريقة الثانية إلا ببذل جهد كبير.

 في الأولى تمتزج اللغة بالعواطف، فلا يحسُّ المتكلم أنه يعبِّر عن عواطفه تعبيرًا صادقًا إلا بها، فهي التي ينفِّس بها عن غضبه، ويبثُّ بها لواعجَ شوقه وحبه وحنينه. أما اللغة الثانية فتبقى في المكان الثاني من حيثُ التعبير العاطفي، وقلَّ بل ندرَ من وصل باستخدامها إلى مستوى اللغة الأولى في هذا المجال.

 في الأولى يكون فهم عبارات اللغة أدقَّ وأقرب ما يكون -إن لم يكن متطابقًا- مع ما يريده المتكلم أو الكاتب، في حين لا يكون الأمر كذلك في اللغة المتعلمة بالطريقة الثانية.

 الأولى يكون إتقان اللغة بها كاملاً تامًّا بتفاصيلها ودقائقها (النحوية والصرفية)، على حين يظلُّ ثَمةَ نقص في اللغة المحصَّلة بالطريقة الثانية، ولو كان نقصًا يسيرًا ضئيلاً.

 الإحساس بجمال اللغة واستشعار بلاغتها وحلاوتها يكون باللغة الأم تلقائيًّا، أما في اللغة المتلقَّاة بالطريقة الثانية فيحتاج التعمق في نصوصها إلى شرح وتحليل يفقدها كثيرًا من قيمتها.

 اللغة المكتسبة بالطريقة الأولى لا تتطلب زمنًا خاصًّا لإتقانها، إذ تتشرَّبها نفس الطفل في أثناء اللعب وممارسة النشاطات الأخرى، في حين يتطلب تعلُّم اللغة بالطريقة الثانية زمنًا خاصًّا يفرَّغ فيه الطفل للتعلُّم، وربما يكون على حساب نشاطات أو أعمال أخرى.

 تتدخَّل اللغة الأولى على نحو سلبيٍّ في عملية تعلُّم اللغة بالطريقة الثانية، في مجالات التراكيب اللغوية، والمفاهيم المعرفية.

 الطريقة الأولى تمكِّن الطفل من اكتساب أكثر من لغةٍ في آنٍ واحدٍ، دون إرهاقٍ أو تعب، مع إتقان اللغات جميعًا إتقانًا تامًّا، دون أن تطغى إحداها على الأخرى، على حين يعسُر على الطفل بعد السادسة تعلُّم أكثر من لغةٍ في آنٍ واحدٍ.

واقع التعليم في العالم العربي:
توصَّل الدكتور الدنَّان إلى أنه: ليس على وَجْه الأرض أمَّةٌ تظلمُ أبناءَها كما يفعَلُ العربُ؛ لأن الواقعَ التعليميَّ واللغويَّ للتلميذ العربيِّ يسيرُ سَيرًا مُعاكسًا لطَبيعة الخَلْق؛ على النحو الآتي:
1- في مرحَلة الاكتساب الفِطريِّ للغة يكتسبُ اللهجَةَ العاميَّة، ولا يكتسبُ لغةَ المعرفة، وهي الفُصحى. (يكتسبُ العاميَّةَ بلهَجاتها وقَواعدها).

2- يبدأُ بتعلُّم لغة المعرفة (الفُصحى) بعد بَدْء ضُمور قُدرَة الدِّماغ على تَحصيل اللغَة، فيبذُلُ جهدًا كبيرًا لتعلُّم لغة المعرفَة، ويُنفِقُ وقتًا طَويلاً لتعلُّم المعرفَة.

تلميذُنا العربيُّ مظلومٌ؛ لأنه يتعلَّم المعرفةَ بلغةٍ لم يُتقِنها ولا يُمارسُها إلا في أثناء القراءة والكتابة، وأعجَبُ وضع تربَويٍّ وأغرَبُه في تاريخ الأُمَم: أن تكونَ لغةُ الخطاب السائدَةُ في مدارسنا وجامعاتنا هي العاميَّة، ولغةُ الكتاب والدِّراسة: الفُصحى.

إذن طفلُنا العربيُّ يُفاجَأ عند دخوله الصفَّ الأوَّلَ في المدرسة أنه سيتَلقَّى المعرفةَ بلغةٍ غير لغته الأم التي أتقنها ورضعها مع لَبان أمِّه، وتشكل وجدانه وأحاسيسه وفقها، ويُواجِهُ من الساعات الأُولى خبراتٍ تربويَّةً غيرَ سارَّة.

وينتج عن ذلك: معاناةُ الطفل عندَ دخول المدرسَة وكراهيته لها ولما يتلقَّاه فيها. الطفلُ العربيُّ لا يُكافَأ على القراءة بفهم ما يقرأ، فيُصاب بالتَّواكُل الذِّهْني، إذ يشعر بعَجزه عن فهم الكلام المكتوب ما لم يُترجمه له أحدٌ إلى عاميَّته، فيكرهُ القراءة والكتاب. ويُضطرُّ مع تقدُّمه في سنوات الدِّراسة أن يلجأَ إلى الملخَّصات، وأن يعتمدَ على الحِفْظ بدَلَ الفَهْم.

حلول سقيمة:
إذن من أخطر ما تمخَّض عن هذه الحال من مخالفة الفطرة في التعليم في عالمنا العربي أمران:
الأول: عزوف الطفل العربي عن القراءة؛ فإنها تكلفه مجهودًا شاقًّا، ولا يفهم كل ما يقرأ، ومن ثَمَّ لا يستمتع بالقراءة، ولا يُقبِل عليها إلا مكرَهًا مضطرًّا عند أداء الواجبات المدرسيَّة والتحضير للاختبارات، فتستحكم الكراهية في نفسه للكتاب، حتى تتحوَّل إلى عداء وحَنَق، فإذا ما فرغ من أداء اختبارات نهاية العام عبَّر عن كراهيته للكتاب برميه في القمامة، أو دوسه بالأقدام، أو تمزيقه شرَّ تمزيق، أو الحكم عليه بالإعدام حرقًا!!

الثاني: صعوبة التحصيل المعرفيِّ والعلمي؛ لأن الطفل غيرُ متمكِّن من أداته، وهي اللغة التي يتلقَّى بها المعرفة والعلم، وهي الفصحى.

وحار التربويون وواضعو المناهج في الدول العربية في حل هذه المعضلة، وانتهَوا أخيرًا إلى معالجتها بحشد عدد كبير من حصص قواعد اللغة العربية وما يتصل بها في جميع المراحل الدراسية، ليرتقوا بمستوى الطالب في معرفة لغته! ولكنَّ هذه الحصصَ على كثرتها لم تصل بخريج المدرسة الثانوية إلى أدنى درجات الإتقان!

وقد عقد بعض الباحثين مقارنة بين عدد حصص اللغة العربية التي يتلقاها طلابنا العرب في الدول العربية، من الصف الأول المتوسط حتى الثالث الثانوي، وبين عدد حصص اللغة الإنكليزية في بريطانيا التي يتلقَّاها الطالب هناك في المرحلة ذاتها؛ فوجد أن عددها في الدول العربية يراوح بين 1050 و1250 حصة؛ في حين لا يزيد عددها على 580 حصة في بريطانيا؛ والفارق كما هو ظاهر يعادل ثلاث ساعات أسبوعيًّا، على مدار ست سنوات، يقضيها الطفل العربي في تعلم قواعد لغته وتعرُّف مبادئها؛ على حين تتاح للطفل الإنكليزي الفرصة لاستثمارها في دراسة موضوعات أخرى.

وفضلاً عن الفارق البيِّن في عدد الحصص هناك فارقٌ جوهري في طبيعة المادة المعطاة؛ ففي حين يقضي الطفل العربي معظم الحصص في تعلُّم القواعد والنحو والإعراب فإن الطفل الإنكليزي يقضيها في تحليل النصوص، واستخلاص الأفكار، والتدرُّب على أساليب التعبير وغيرها.

ولا غرابة بعد ذلك أن تكون فرص الطفل الإنكليزي في الإبداع أكبر من فرص قرينه العربي، وأن نجد في العرب عمومًا عزوفًا عن القراءة؛ في حين يُقبل الغربيون عليها، فنراهم يقرؤون في كل مكان (الحافلة، القطار، الطائرة، المتنزَّهات، أوقات الانتظار).

الحل الذي يقدِّمه د. الدنَّان:
لما كان الطفل في مَرحلَة الاكتساب الفِطريِّ للغة قادرًا على اكتساب أكثر من لغة، فإن الحلَّ لمشكلة التعليم يتجلَّى في إكسابِ أطفالنا اللغةَ الفُصحى لغةَ المعرفَة والتعليم والكتاب قبل دخول المدرسة، إلى جنب عاميتهم التي يتواصلون بها مع محيطهم.

وقد بدأ د.الدنَّان تجريبَ هذه الفكرة على ولَده باسل (من مواليد 1977م)، يتواصَلُ معه بالفُصحى دائمًا، وسائرُ أفراد الأُسرة بالعاميَّة... وحينَ بلغَ باسلٌ سنَّ الثالثة، كان يتحدَّثُ الفُصحى بطَلاقَة، مع إتقانه للعاميَّة.

وكان باسلٌ يُتَرجمُ من الفُصحى إلى العاميَّة (والعكس) بينَ أبيه وأمِّه [ما هذه؟ هذه بَيْضَة. شو هي؟ هَيّْ بِيْضَة، قُل لأمِّكَ تجهِّزُ نفسَها للذَّهاب إلى الحَديقَة. باسل: ماما، بابا بيئول جَهْزي حالِكْ لَنْرُوح عالجنِينِه. الأم: إلُّه يِسْتَنَّى شْوَيّ أنا مَشْغولِه، باسل: أمِّي تقولُ هي مَشغولةٌ الآنَ انتظِرها قليلاً...].

ثم كرَّر د.الدنَّان التجرِبَةَ مع ابنتِه لونَة (تصغرُ باسلاً بأربعة أعوام)، ونجحَت أيضًا نَجاحًا باهرًا. ومن أعظم ما استفاده باسل وأخته من إلف العربية وإتقان الفصحى: تعلقهما الشديد بالكتاب والقراءة، وقد بلغَ ما قرأه باسل في الصفِّ الثاني الابتدائي أكثرَ من 350 كتاب من كتب الأطفال.

من التطبيق الفرديِّ إلى الجماعي:
بعد نَجاح التَّجرِبَة انتقَلَ الدكتور الدنَّان إلى التطبيق الجَماعيِّ في رياض الأطفال، فأسس في عام 1988م بالكويت دارَ الحَضانَة العربيَّة، درَّب جميعَ المعلمين فيها على الحديث بالفصحى المعربة، واعتُمدَت لغةً وحيدةً للتواصُل طَوالَ اليوم الدراسيِّ، داخلَ الفُصول وخارجَها.

وفي عام 1992م أسَّسَ بدمشقَ روضةَ الأزهار العربيَّة، وطبَّق فيها طريقته نفسها، وقد نجحت الفكرةُ نجاحًا عظيمًا فاقَ التوقُّعات، واستطاعَ الأطفالُ إتقانَ الفُصحى والعاميَّة معًا، وكلُّ من يتخرَّجُ في هذه الرَّوضة يصبحُ صديقًا للكتاب، (يقرأُ الأطفالُ بلا خطأ مع فَهم تامٍّ ودقيق).

ثم كتب الله لهذه النظرية القَبول والرضا فانتشرت في عدد من البلاد العربية، على ما سيأتي، وشرع في تطبيقها عدد من الأفراد على أبنائهم في البيوت، ناسجين على نول أستاذهم رائد الفكرة، وكنت بفضل الله من أول من طبَّق النظرية على أولاده؛ إذ بدأت فيها مع ولدي أحمد مذ كان جنينًا في رحم أمه في شهره الخامس، وواظبت على ذلك حتى ولادته بتاريخ السادس من ربيع الأول 1419هـ، الموافق لـ 30/ 6/ 1998م، وما زلت مستمرًّا بالتواصل معه بالفصحى، وقد نجح التطبيق نجاحًا بيِّنًا عظيمًا، وأتقن أحمـد الفصحى إتقانًا تامًّا بالسليقة والفطرة، مع اكتسابه عددًا من العاميَّات من بيئته ومحيطه، وهي العامية الشاميَّة والسعودية والمصرية، وأثمرت بكرم الله هذه التجربة فوق ما كنت أتوقع وأؤمِّل من ثمار.

من أهداف نظرية الدنان:
 معالجة مشكلة الضَّعف العامِّ في إتقان اللغة العربية الفصحى.
 إنشاء جيل عربيٍّ مبدع محبٍّ للعلم باحث عن المعرفة.
 استثمار المرحلة التي يكون فيها دماغُ الطفل قادرًا على اكتساب اللغات بالفطرة.
 تعزيز حبِّ القراءة لدى الأجيال العربية لكي تنتهيَ الأمية المقنَّعة ويرتفع شعار "العرب أمة تقرأ".
 جعل المحادثة بالعربية أمرًا مألوفًا؛ لكي تصبحَ اللغة العربية قريبةً من القلوب محبَّبة للنفوس.

من ثمرات التواصل بالفصحى:
بعد ثلاث سنوات من تطبيق منهج د. الدنان في مدارس البسَّام الأهليَّة بالدمَّام: في عام دارسيٍّ واحد استعارَ أحدُ التلاميذ (136) كتاب، وقد ارتابَ أمينُ المكتبة في أمره، فاختبَرَه في بعض ما استعار، فإذا به يَعي كلَّ ما فيها.. وأقلُّ كتب استعارها طالب: (35) كتابًا، وقد قرأ طالبٌ في الصفِّ الثالث الابتدائيِّ قصَّةَ مدينتَين (بالعربيَّة) كاملة، وهي في نحو 200 صفحة، في حين أخوهُ الذي في الصفِّ الثاني المتوسِّط قرأ منها 4 صفحات فقط، ثم رماها.

ولعل من أهم ثمرات التواصل بالفصحى امتلاكَ الطفل العربي للذوق اللغوي السليم (الذائقة اللغوية)، ولا يتأتَّى هذا إلا بعد اكتساب صحيح للملكة اللغوية، فحين يكتسب الطفل الفصحى ويتشبَّع بأساليب الفصحاء، ويغرف من بيان البلغاء، وبلاغة الأبيناء، فإنه سيصل إلى مستوى راق من الإحساس بجمال العربية، وبهاء أساليبها، وروعة تراكيبها، وجلال نظمها، وعبقرية تعبيرها..

وسيعود ذلك عليه بخير جمٍّ عميم من قدرة على التعبير عن نفسه بأبلغ عبارة وأبين أسلوب، وستنشأ رابطة حبٍّ وهُيام عميقةٍ متينة بينه وبين لغته، تدفعه إلى أن يتخذ الكتابَ خِدنًا ورفيقًا، لا يجد راحة النفس وطمأنينة البال إلا برفقته وتقليب صفحاته، ولا يخفى ما للإنسان القارئ من مزية ومنزلة عالية هيهات يدركها من لا يقرأ.

وتحصيله لهذه الملكة يطوي له المفاوز الشاسعة في تحصيل المعارف والعلوم، ويردم الهُوَّة العميقة القائمة بينه وبين كتاب ربِّه، ويزلفه من تراث أمَّته، ويربطه بتاريخ عريق جليل متطاول. فيستوي بعد ذلك على سوقه فتى عربيَّ الهوى والوجدان واللسان.

ثم يفوز بأجزل مكافأة يحصِّلها مسلم، يفوز بشعور مرهف وإحساس دقيق بإعجاز القرآن الكريم، وأنه نمط فذ من الكلام، دونه كل قول وكلام مهما علا في سماء الفصاحة والبيان.

وإذًا، تتلخَّص الغاية من إكساب أبنائنا العربيةَ الفصحى، وتنمية الذَّوق اللغوي عندهم بتحقيق المكاسب والثمرات المستقبليَّة الآتية، وهي مكاسبُ بلا شكٍّ عظيمة:
1- اكتساب القدرة على التعبير عن النفس تعبيرًا دقيقًا مُحكَمًا.
2- نشوء علاقة حبٍّ حميمة مع العربيَّة لغة القرآن.
3- انعقاد أواصر صداقة دائمة مع الكتاب.
4- التفوُّق والتميُّز في التحصيل العلمي والمعرفي والثقافي.
5- المَيل والتعلُّق المتين بتراث الأمَّة الجليل، وتاريخها المشرق النبيل.
6- امتلاك شخصيَّة أصيلة سويَّة منتمية انتماء حقيقيًا صادقًا إلى العروبة والإسلام.
7- الإحساس المُرهَف والشعور العميق بإعجاز القرآن الكريم، وأنه فوق كلِّ بلاغة وبيان، وأنه مُفارقٌ لجنس كلام البشر.

نماذج من إدراك بعض الأطفال الفصحاء لطرف من إعجاز القرآن:
 قصَّة باسل: عندما كان في الثالثة والنصف من عمره قرأ له أبوه د.الدنَّان سورةَ النازعات، فكان يسمعها بتأمُّل وإصغاء غريبَين، وحين فرغ الأبُ من الترتيل سأله: ماذا سمعتَ؟ فأجابَ: لا أدري، ولكنَّه كلامٌ حُلوٌ جَميل!
 وأخته لونَة: حينما كانت في السادسة من العمر لوحظت تتنَحَّى جانبًا من البيت وتُردِّد ما تحفَظُه من قصار سور القُرآن، سألها أبوها عن سَبب فعلها؟ فقالت: أنا أُحسُّ أنه أحلى من كلِّ الكلام!
 قصَّة ولدي أحمـد (عندما كان ابنَ سنتَين): تمييزُه القُرآنَ من الدُّعاء، في موقف بديع طريف. و(عندما كان ابنَ 3 سنوات ونصف): كان منشَغلاً باللعب، وأمُّه بجواره تُصْغي إلى تَرتيل للقُرآن من (المسجِّلة) ومرَّ قولُه تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] فانتفَضَ وقال: كذَبوا.. كذَبوا ! وفي (السنة السادسة من عمره): سألني: أيهما أقوى النسر أم الصقر؟ أجبته: لا أدري! فقال: أظنُّ يا أبي أن الصَّقر أقوى، انظر إلى كلمة (صقر) قوية، أما كلمة (نسر) فضعيفة. [يتذوق بناء الكلمة وحروفها ويميز القوي منها والضعيف]!

نصائح للراغبين في تعليم أطفالهم الفصحى بالفطرة:
1- ينبغي التبكير في بدء التطبيق، ويحسُن أن يكون ذلك من لحظة الولادة.
2- إذا لم يتسنَّ البدء مبكرًا فلا ضير؛ على أن يكون عمر الطفل عند التطبيق دون السادسة، وكلما كان الطفل أصغر كان النفع أكبر.
3- يجب اعتماد اللغة العربية الفصيحة المعربة لغة للتواصل الدائم بين الطفل ومن يحادثه.
4- كي يتقنَ الطفل المحادثة باللغة العربية يكفي أن يتواصل معه بها شخص واحد فقط من أفراد العائلة، مع ضرورة الثبات على ذلك، وكأنه لا يُحسن لغة سواها.
5- على الشخص الذي يتولى التواصل مع الطفل بالفصحى أن يكون متقنًا للحديث بها، كي يكتسبَ الطفل لغة صحيحة سليمة.
6- بقية أفراد الأسرة يتحدثون مع الطفل بالعامية (اللهجة الدارجة)، وسوف يتقن الطفل المحادثة بالفصحى وبالعامية معًا في آن، وسيتواصل مع الفصيح بالفصحى، ومع العامي بالعامية.
7- إذا لجأ الطفل إلى الحديث بالعامية مع من يكلمه بالفصحى، فعلى الشخص أن يتظاهر بعدم الفهم، ثم يقول له: "أنا لا أفهم، ماذا تريد؟ أتريد كذا"، ويعيد كلام الطفل ولكن بالفصحى.
8- لابد من الالتزام الكامل بالفصحى مع الطفل في كل مكان وكل آن، والصبر على ذلك، حتى ينتج الطفل الفصحى، ويكتسبها لغة أولى له.
9- يبدأ الطفل الذي دون السادسة من العمر في إنتاج الفصحى والتواصل بها، في غضون أشهر من ثلاثة إلى ستة من بدء التواصل معه.

تقويم التجربة في بحث للماجستير:
لفت نظر الباحثة الأمريكية جيل جينكنز (Jill Jenkins) وهي مدرِّسة اللغة الإنكليزية للناطقين بغيرها في ولاية يوتا (utah) ورئيسة اتحاد مدرِّسي اللغة الإنكليزية للناطقين بلغات أخرى (tesol)، أن طلابها العرب يفرُّون من القراءة، ولا تكاد تراهم في مكتبة المركز الذي تدرسهم فيه، في حين يُقبل أقرانهم من الأعراق الأخرى على القراءة رغبةً في المعرفة والترويح عن النفس! وقد لمست الملاحظةَ نفسها عند زملائها من مدرسي الإنكليزية لغير الناطقين بها في الولايات الأخرى. ولما أعياها البحث عن سبب مُقنع لهذه الظاهرة الغريبة توجهت بالسؤال الآتي من خلال الشابكة (الإنترنت):
(Please help me to answer this question :why arabs do not like to read?)
أي: أرجوكم ساعدوني في الحصول على جواب عن سؤالي: لماذا العرب لا يحبون القراءة؟
وقد قام أحد الفضلاء بإجابتها عن تساؤلها؛ شارحًا لها حالة الفصام الذي يعيشه الطفل العربي بين العامية والفصحى، ثم أحالها على تجربة روضة الأزهار العربية للدكتور الدنَّان.

وقد اهتمت بالموضوع أيما اهتمام، واتصلت بالدكتور الدنَّان وطلبت منه شرحًا وافيًا لتجربته في ردم الهوَّة بين أطفال العرب ولغة الكتاب، ثم عزمت على دراسة تجربته دراسة علميَّة موضوعيَّة، فسجَّلت بحثًا للماجستير عن نظرية الدنان في تعليم الفصحى للأطفال بالفطرة والممارسة، في جامعة بريغام يونغ (Brigham Young)، وكان بحثها بعنوان: «أثر التواصل الدائم باللغة العربية الفصحى المطبَّق في روضة للأطفال العرب على علاماتهم في القراءة والتعبير في المدرسة الابتدائية».

وحضرت إلى دمشق وزارت روضة الأزهار العربية للدكتور الدنان، ومكثت شهورًا تقابل الأطفال وتدرس أوضاعهم، وتتبَّعت جميع الطلاب الذين أتمُّوا دراستهم في الروضة والتحقوا بمدارس ابتدائية، وفحصت أداءهم وتحصيلهم في مدارسهم، وأجرت مقابلات مع أساتذتهم وأولياء أمورهم، وعقدت موازنات بين نتائجهم في مدارسهم ونتائج أترابهم وزملائهم ممن لم يتلقَّوا الفصحى في طفولتهم، ثم خلصت الباحثة إلى أن الأطفال الذين اكتسبوا الفصحى في روضة الأزهار العربية بدمشق ارتفع معدَّل علاماتهم باللغة العربية وسائر المقرَّرات عن معدَّل أقرانهم من الأطفال الذين تخرَّجوا في روضات تقليدية لا يُتواصَل مع الأطفال فيها بالفصحى، بمقدار يراوح بين (8) علامات و(19) علامة من المئة. وقد نالت الباحثة درجة الماجستير على رسالتها عام 2001م.

ومما ورد في خاتمة بحثها: ((تكمن أهمية هذه الدراسة في إبرازها للتأثير الإيجابيِّ الذي يمكن أن يُحدثَه تعلُّم المحادثة باللغة العربية الفصحى لدى الأطفال في مرحلة تعلم القراءة والكتابة، كما توحي الدراسة بأن ممارسة المحادثة باللغة العربية الفصحى مدة ثلاث سنوات، في أعمار (3، 4، 5) سنين تزوِّد الأطفال العرب بمهارات الفصحى التي يحتاجون إليها للنجاح في تعلُّم القراءة والكتابة في المدرسة الابتدائية، ويمكن القول: إن تأثيرات هذا النجاح ستبقى معهم إلى مرحلة التعليم الجامعي، حيث سيكوِّنون جيلاً من المعلمين والآباء والأمهات والعاملين الذين سيقومون بتأدية وظائفهم بارتياح وثقة، وحينئذٍ سيكونون مؤهَّلين لتنشئة جيل جديد)).

شهادات التربويين والمتخصصين:
زار روضة الأزهار العربية بدمشق عدد كبير من الباحثين والمربين من أقطار العالم العربي المختلفة؛ للاطلاع على تجربة الدكتور الدنَّان الرائدة ونتائجها الواقعية، وقد سجل كثير منهم انطباعاتهم ومشاهداتهم، وسأختار بعضها:
 الأستاذ الدكتور عبد الكريم اليافي أستاذ علم الاجتماع بجامعة دمشق، وعضو مجمع اللغة العربية بدمشق: أعجبت بهذا العمل التربوي المجيد الذي يبدأ بتعليم اللغة العربية الفصحى أطفالنا منذ نعومة أظفارهم، وقد استمعت إلى هذه البراعم الناشئة تتحدث بلغة سليمة صحيحة، وتأكد عندي أن هذا العمل الرائد من شأنه أن ينهض بلغتنا الجميلة، وأن يستبدلها باللهجة العامية، فينشأ الأطفال على السليقة المعربة. إننا حين نرى أطفالنا في هذه المدرسة الرائدة لا بد أن ننظر إلى الغد بتفاؤل وابتسامة.

 الأستاذ الدكتور فخر الدين القلا، وكيل كلية التربية بجامعة دمشق: زرت روضة الأزهار العربية، فوجدت الأطفال يستطيعون الإفصاح عما يريدونه بلغة فصيحة صحيحة، وتأكدت أن العمل الرائد الذي يقوم به الدكتور عبدالله الدنان ليس طوباويًا، كما كان يظن بعض الناس، بل استطاع بمهاراته ومهارات معاونيه أن ينميَ بالأطفال التعبير بمهارات الاتصال بالعربية الفصيحة.

 الأستاذ الدكتور محمد حسان الطيان رئيس مقرَّرات اللغة العربية بالجامعة العربية المفتوحة بالكويت، وعضو مراسل بمجمع اللغة العربية بدمشق: أعتقد جازمًا أن الأسلوب المتَّبع في روضة الأزهار العربية سيقضي على الضعف المتفشِّي عند أبناء الأمة باللغة العربية، أرجو لهذه التجربة الاستمرار، وأرجو أن تعمَّم، وأن يستمر الأخذ بها في المرحلة الابتدائية وما بعدها.

 الأستاذ الدكتور محمود السيد نائب رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق حاليًّا، وزير التربية ثم وزير الثقافة سابقًا: أعبر عن سعادتي العميقة بهذه الزيارة نظرًا لما لمسته من جهود كبيرة يبذلها الصديق العزيز الأستاذ الدكتور عبدالله الدنَّان في خدمة لغتنا العربية الفصيحة، في تثبيتها على ألسنة الأطفال بصورة عفوية وطبيعية، وبأساليب شائقة وتربوية جذابة، وينبغي أن تعمَّم هذه التجربة على نطاق وطننا العربي؛ لأنها تتسم بالجدة والأصالة معًا، ولأنها المنهج السليم في اكتساب اللغة العربية وفق الطرائق الفعالة التي تخفض العبء على كاهل المراحل التالية في تعلمها وتعليمها.

 الدكتور المهندس طاهر قدار مدير العلاقات العامة للمخترعين السوريين: روضة الأزهار العربية اسم لصرح حضاري كبير باسم رائد ومؤسس رياض الأطفال لتعليم اللغة العربية الفصحى، إنه الدكتور عبدالله الدنان، وضع اليد على جرح الأمة بلحظة تفكير ثاقب، انبثق فيها شعاع الفكرة السحرية وهي: علينا أن نبنيَ الأمة من الأساس، وذلك بتعليم أطفالنا اللغة العربية الفصحى قبل سن السادسة من أعمارهم، لتضعهم على خط السباق الأول مع أطفال العالم أجمع. إن ما فعله الدكتور الدنان هو وضع النقاط على الحروف وقرع جرس الإنذار لضرورة البدء بنهضة علمية جديدة مضمونة النتائج.

 الأستاذ الدكتور مختار هاشم عضو مجمع اللغة العربية بدمشق: رأيت في روضة الأزهار العربية تطبيقًا لأسلوب رائد في تعليم اللغة العربية الفصحى، إذ يتعلم الأطفال في سن مبكرة التكلم بالفصحى دون اللجوء إلى تعلم النحو، بل الاعتماد على المحادثة بالفصحى حتى تتكون لديهم ملكة التكلم بالفصحى.

 الأستاذ الدكتور أحمد بن محمد الضبيب عضو مجلس الشورى في السعودية، ومدير جامعة الملك سعود سابقًا: لقد سعدت أيما سعادة بزيارة روضة الأزهار العربية لمنشئها الأستاذ الدكتور عبدالله الدنان، واطلعت على الجهود الكبيرة التي يبذلها سيادته كما يبذلها الفريق العامل معه في هذه الروضة الحلم التي تعلم العربية لأبنائنا وبناتنا من نعومة الأظفار، فيتشربون هذه اللغة الشريفة منذ الصغر، وتنطبع في أذهانهم الغضَّة.

 الأستاذ عبد التوَّاب يوسف أديب الأطفال المصري الكبير: سعدت بزيارة روضة الأزهار العربية، ولا شك أن ذلك كان شيئًا رائعًا أن أجد صغارًا يتحدثون الفصحى، ولمحت الذكاء في عيون الأطفال، وابتهجت لقدرتهم على التعبير عن أنفسهم وعلى ترديد الأغنيات.

 الدكتورة مباركة البراء من موريتانيا، أستاذة بجامعة الملك سعود بالرياض: رأيت في هذه الزيارة تجربة قومية فريدة، إذ يبدأ الطفل منذ أيامه الأولى يتحدث اللغة العربية بلسان عربي مبين، وكم أثلج صدري هذا الجو الطفولي البريء الذي يشق طريقه الدراسي متخذًا منهجًا سليمًا بتعلمه لغته الأم.

 الدكتورة منى راشد الذيابي رئيسة مجلس إدارة مدرسة الحكمة النموذجية بالبحرين: لقد أثلجت صدري الجهود القيمة التي بذرها الدكتور عبدالله الدنان، فأصبح ما نحلم به كتربويين حقيقة ملموسة، وكم تمنيت لو سنحت هذه الفرصة لنا في طفولتنا، وأتمنى لو تتسع هذه الخبرة وتصل إلى أطفال أمتنا ليعم الخير على الأمة.

 شهادة د. محمد حسان الطيان لي بنجاح التطبيق على ولدي أحمد:
والحق أن صاحبي هذا [يقصد طفلاً صغيرًا من الفصحاء] ليس بِدْعًا في بابه؛ بل هو يمثل نمطًا من الأطفال أخذهم آباؤهم بهذه اللغة الفطرية، فأحسنوا فيها كلَّ الإحسان، وكان شيخنا وشيخهم في ذلك الأستاذ الدكتور عبدالله الدنان، الذي عمَّم هذه التجربة الرائدة، وأخرجها من محيطه الفردي إلى رياض للأطفال، بدأها في هذا البلد الطيب الكويت في أواخر الثمانينيات من القرن الفائت، وانطلق بها لتعم كثيرًا من بلداننا العربية؛ كسورية، ولبنان، والسعودية، وقطر، وأولُ الغيث قَطْرٌ ثم ينهمر.

ولعل من أبرز أبطال هذه المدرسة صاحبًا لي آخر، يُدعى أحمـد أيمن ذوالغـنى، أخذه والده أخذًا حازمًا بهذه اللغة الفطرية، فلم يُسمِعْه إلاَّ إيَّاها، ولم يرتضِ أن يسمع منه سواها، فإذا رَطَنَ الولد بالعامية، زعم الوالد أنه لم يفهم، فعاد الولد إلى فُصحاه، وانطلق يغرِّد بها تغريدَ العَنادِل، يرفع وينصب، ويجر ويجزم، ويعطي كلَّ ذي حق حقَّه فطرةً وسليقةً، يفعل ذلك كله دون أن ينسى لهجته العامية، تلك التي يتكلم بها مع أمه وأقاربه، وأصحابه وأترابه.

ومن طريف ما رواه لي والده: أنه لقِيَه مرةً يلعب مع أترابٍ له خارج المنزل، وكانوا من جنسيات مختلفة، فيهم السعودي، وفيهم المصري، وفيهم الحلبي، فجعل الولد يترجم لأبيه ما ينطق به هؤلاء من لهجاتهم المحلية؛ لأنه موقن أن أباه لا يفهم إلا هذه الفصحى الشريفة!

وزاد أبوه فجعل يروِّيه من الشعر أجزلَه، ومن الأدب أجملَه، فضلاً عن محفوظه من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، فنشأ الولد أديبًا أريبًا، يكتب القصة، وينشد الشعر، ويسهم في نشاطات صحفية مختلفة، ولمَّا يجاوز العاشرة؛ بل إن أباه زفَّ لي منذ أيام بشرى انضمام أحمد إلى نادي الصحفيين، وإجرائه الحوارَ الأول له مع وكيل مدرسته، وكان من قبل هذا قد استضيف في إحدى القنوات الفضائية ونوَّه بتجربته الرائعة.

إضافات ذات صلة:
قول الأستاذ إبراهيم مصطفى عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة:
"إن أفضل طريقة لتعليم اللغة وأيسرها وأقربها إلى مسايرة الطبيعة هي أن نستمع إليها فنطيل الاستماع، ونحاول التحدث بها فنكثر المحاولة, ونكل إلى موهبة المحاكاة أن تؤدي عملها في تطويع اللغة وتملكها وتيسير التصرف بها، وتلك سنة الحياة في اكتساب الأطفال لغاتهم من غير معاناة ولا إكراه ولامشقة فلو استطعنا أن نصنع هذه البيئة التي تنطلق فيها الألسنة بلغة فصيحة صحيحة، نستمعها فتنطبع في نفوسنا، ونحاكيها فتجري بها ألسنتنا, إذًا لملكنا اللغة من أيسر طرقها، ولمُهِّد لنا كلُّ صعب في طريقها".

ومن ذلك أيضا قول الأستاذ الدكتور رمضان عبدالتواب: "لا شيء أجدى على من يريد تعلم لغة ما من الاستماع إليها والقراءة الكثيرة في تراثها, وحفظ الجيد من نصوصها".

فلنعد إلى النحو الفطري، نحو القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العذب النبيل، والمثل السائر، والحكمة البليغة، والخطبة المؤثرة، وطرائف الأدب ولطائفه.

من مراجع المقالة:
 العربية وطرائق اكتسابها، للدكتور محمد حسان الطيان، نشرت في موقع الألوكة على الشابكة، بتاريخ 1/4/1428هـ.
• نحو الفطرة.. ونحو الفطنة، للدكتور محمد حسان الطيان، نشرت في موقع الألوكة على الشابكة، بتاريخ 21/6/1430هـ.
• كيف ننمِّي الذائقة اللغويَّة عند الأطفال؟ بحث لأيمـن بن أحمد ذوالغـنى، شارك به في ندوة أقامتها مدارس الرشد بالرياض، بالاشتراك مع قناة المجد الفضائية.
• د. عبدالله الدنان في مجلس الألوكة، بقلم أنس محمد خير يوسف، نشرت في موقع الألوكة على الشابكة، بتاريخ 17/3/1429هـ.
• طريقة الدكتور عبد الله الدنَّان في تدريس العربية الفصحى المُعْرَبة للأطفال ونجاحه فيها، لخلف الحارثي، مشرف منتدى اللغة العربية، في منتديات المدرسة النموذجية السابعة الابتدائية الرائدة على الشابكة. نشرت بتاريخ 26/6/ 2008م.
 أطفالنا والفصحى: المأساة والحل، مقالة نشرت في موقع صيد الفوائد على الشابكة، لخَّص فيها كاتبها محاضرة حضرها لرائد تعليم الفصحى د. عبدالله الدنَّان.
• أثر التواصل الدائم باللغة العربية الفصحى المطبَّق في روضة للأطفال العرب على علاماتهم في القراءة والتعبير في المدرسة الابتدائية، للباحثة الأمريكية جيل جينكنـز، ترجمة د. عبدالله الدنَّان، ويونس حجير، دار البشائر بدمشق، ط1/ 1426هـ= 2005م.
ـــــــــــــــــ
[1] من فاتحة مقدمة العلامة أبي فهر محمود محمد شاكر، لكتابه ((مداخل إعجاز القرآن)).
[2] مقدمة ابن خلدون 3/1278-1279.
[3] مقدمة ابن خلدون 3/1278-1279.
[4] مبادئ تعلُّم وتعليم اللغة، دوجلاس براون، ترجمة د.إبراهيم القعيد ود.عبد الشمري.
[5] مبادئ تعلم وتعليم اللغة، ص59.
[6] مبادئ تعلم وتعليم اللغة، ص60.


0 comments:

Post a Comment